مصر والنظام العربي: من وحي زيارة ترامب إلى المنطقة
محمود عبد العزيز
هناك مجموعة أسئلة أساسية تحيط بزيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى المنطقة، إلا أن السؤال الأكثر تكراراً هو لماذا تغيب مصر عن مشهد زيارة ترامب إلى المنطقة؟، وأعتقد أن غياب مصر عن هذا المشهد هو الإجابة عن هذا السؤال، الذي قد تنقسم الإجابة عنه إلى عدة مستويات.
مشكلة الخليج أنه تاريخياً وحتى الآن، لا يمتلك هدفاً سياسياً استراتيجياً لدوره في المنطقة أبعد من فكرة الاستقرار السياسي الداخلي، ولا أقول أن هذا هدفاً غير مشروع، بل العكس يبدو هذا الهدف مطلوباً ومشروعاً ويجب الحفاظ عليه لأن البديل لا يُمكن تصوره. إلا أنه وفي كل الأحوال لا يجب أن يكون هذا هو الهدف الاستراتيجي لأي دولة.
وحتى لا يبدو هذا كلاماً غائماً، فمقارنة بسيطة على سبيل المثال بين دور الأسر المالكة في أوروبا القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين ربما تساعد في فهم الفارق الأساسي في طريقة التفكير.
في ألمانيا "الرايخ الثاني"، امتلك "فيلهلم الثاني" طموح شخصي إمبراطوري بالتأكيد لكنه قبل ذلك وفوقه، كان جزءً من طموح "ألماني" يتعلق بمصير ومستقبل ألمانيا كأمة في أوروبا وفي العالم، وبغض النظر عن مدى دقة الحسابات.
في بلجيكا التي كانت تتمتع بالحياد قبل الحرب العالمية الأولى، وكان يُمكن لها أن تبقي كذلك، إلا أنها ملكها "ألبرت الأول" قرر مع البرلمان البلجيكي مقاومة الخطة الألمانية المعروفة باسم "خطة شليفن" التي تقضي باختراق بلجيكا وهولندا ولوكسمبورج لمفاجأة الفرنسيين من الشمال وصولاً إلى باريس في أسرع وقت. فعلت بلجيكا ذلك وهي تعلم النتائج الوخيمة، لكنها قررت أن تكون جزءً من أوروبا ورأت مستقبلها في ذلك وكانت مُطمئنة إلى التزام بريطانيا بالتدخل في الحرب لحمايتها. هُزمت المقاومة البلجيكية في النهاية واستباحت قوات الرايخ البلاد، لكن هذه المقاومة من بلد صغير على هامش السياسة الأوروبية أفشلت الخطة الألمانية وغيرت مسار الحرب العالمية الأولى.
أمثلة أخرى كثيرة عن روسيا القيصرية والإمبراطورية النمساوية المجرية وفي بريطانيا بطبيعة الحال. هناك منطق ما للدولة يستطيع أن يُعبر عن نفسه أبعد وأعلى من أي مصالح أخري أضيق.
أما مصر، فـ "في البدء كانت الدولة"، كما نقول تندراَ أو تفاخراً أو غيرهما، لكنها الحقيقة ابتداءً وانتهاءً!
فمنذ نشأت الدولة الحديثة، لا يوجد قائد سياسي مصري تعامل مع مصر على أنها امتداد له، أو مع "السلطة" على أنها "ميراث شخصي" مهما بلغ ما لديه من طموح، فهو يذوب في النهاية مع منطق الدولة، ذلك أن الجميع أدرك حقيقة أساسية وهي أن مصر أكبر من الجميع.
حتى الأسرة الملكية في مصر أدركت منذ اللحظة الأولى مع محمد على هذه الحقيقة، فتشكل لديها تصور استراتيجي لدور مصر في المنطقة يتناسب مع حجمها وإمكانياتها المادية والبشرية، ولم تتصرف على أنها أكبر من مصر. الاستثناء الوحيد تقريباَ في هذه الأسرة هو الخديوي توفيق الذي وضع هدف بقاءه في السلطة فوق هدف الأمة في تحقيق الاستقلال والحكم الدستوري، فكانت النتيجة هي الاحتلال، وكان موقعه في التاريخ كما نعرفه جميعاً.
بينما الاستثناء الوحيد في تاريخ مصر المُعاصر هو تنظيم الإخوان الذي تعامل مع الدولة كغنيمة واعتبر أنصاره أنفسهم أكبر من مصر ومن شعبها، فكانت النتيجة الطبيعية أن الدولة ابتلعتهم وأن الشعب لفظهم، في لحظة من لحظات التجسد النادر لمنطق الدولة والأمة، وهي ذات اللحظة بالمناسبة التي تجسدت في 9 و10 يونيو 1967 والتي منع فيها المصريون أن تتحول أثار الهزيمة العسكرية إلى انتكاسة سياسية استراتيجية ممتدة.
ليست مصر استثناءً في تاريخ المنطقة العربية، ففي المغرب أيضاً مثال أخر على منطق الدولة التي تتجسد بمنطقها الخاص كتعبير عن وجود أمة لديها شخصية مُستقلة.
ما هي علاقة كل ما سبق بالمشهد الحالي المُتمثل في زيارة الرئيس ترامب إلى المنطقة؟
المناسبة هي الحديث الجماعي عن مسألة انتقال قيادة المنطقة إلى الخليج على حساب الدور التاريخي لمصر.
ومسألة انتقال القوة من دولة أو منطقة إلى أخرى مسألة معروفة لدراسي العلاقات الدولية، ويُمكن مناقشتها في إطار أطروحات نظرية انتقال القوة والتي تُفسر صعود قوى وتراجع أخرى كنتيجة لعملية إعادة توزيع الموارد والقدرات الاقتصادية والعسكرية والثقافية، أو القوة بمعناها الشامل، ومن ثم تُمارس القوى الجديدة دوراً يتناسب مع حجم إمكانياتها وقدراتها دولياً أو إقليمياً. بالطبع تناقش هذه النظرية بالأساس احتمالات اندلاع الحرب في حسم عملية انتقال القوة من القوى القديمة إلى القوى الجديدة، وهي مسألة يُمكن فهمها من خلال الحرب التي تشنها إسرائيل في "الشرق الأوسط" حالياً، ويريد نتنياهو من ورائها أن تُهمين إسرائيل على المنطقة وفقاً لتصورات اليمين الإسرائيلي المُتطرف.
وبالنظر إلى وجود أطراف أخرى "غير عربية" في الشرق الأوسط تتنافس على الهيمنة، وهي تركيا، وإيران (رغم ما لحق بها الآن)، فإن هذه القيادة الإقليمية غير محسومة بعد، حتى لو بدا أن ميزان القوة العسكرية في صالح إسرائيل إلى الآن. وسيظل هذا "اللاحسم" قائماً إلى أن توجد قوة عربية لديها مشروع يستطيع أن تصيغ مصيرها ومصير المنطقة استراتيجياً، وذلك لعدة أسباب.
أولاً: أن مصر بمنطق الدولة، هي الوحيدة في هذه النقطة من العالم التي تمتلك رؤية واستراتيجية متماسكة ومُستدامة للأمن والتنمية في المنطقة، وبالطبع لمسألة الصراع العربي الإسرائيلي.
ثانياً: أن العالم العربي هو مسرح عمليات هذا الصراع، ولا يُمكن أن تحدد قوى أجنبية سواء في الشرق الأوسط أو من خارجه مصير شعوبه.
ثالثاً: أن مسألة انتقال القوة داخل النظام الإقليمي العربي من مصر إلى الخليج، تواجه مشكلة أساسية تتعلق بالمفارقة بين الإمكانية والفعالية، فدول الخليج تريد ويُمكن نظرياً أن تقود النظام العربي نظرياً بناءً على حسابات القوة الاقتصادية بالأساس، لكنها في كل الأحوال تفتقد إلى الفعالية التي تُحول هذه القيادة إلى دور استراتيجي مؤثر من جهة، وتفتقد إلى حسابات القوة الشاملة خاصة عنصرها الحضاري والثقافي الذي لازالت مصر تقوم به رغم كل متاعبها ومشاكلها.
رابعاً: أن العالم العربي أعقد بمشاكله وتكوينه من أن يُصبح جزءً من "صفقة سياسية" تُحدد مصيره دون أن تُعالج أزماته الجوهرية وعلى رأسها المسألة الفلسطينية، ومسألة "تدليل" الإرهاب والتطرف أو إعادة توظيفه، وهو ما تدركه مصر بالتأكيد.
كما لا يُمكن التعامل مع سياسة ترامب في المنطقة على أنها جزءً من الحل -إلا إذا قدم حلاً جذرياً بالفعل- يتجاوز منطق "اللقطة".
أخيراً: أتحدث طويلاً عن ضرورة الاصطفاف العربي خلف الرؤية الاستراتيجية المصرية، ولا أقول ذلك تفاخراً بقدر ما أعتقد أنها الحقيقة، وهذه الحقيقة تقول أيضاً، أن مصر تحتاج إلى قدرات الخليج، وأن الخليج يحتاج إلى مصر واستراتيجيتها وقدراتها الشاملة، وهذا هو الشئ الوحيد الذي يُمكن أن يسد الفجوة بين "الإمكانية" و"الفعالية" التي يعيشها النظام الإقليمي العربي حالياً.
أقول كل ما سبق صادقاً، ولا ألقيه جازماَ، ولذا أطرحه للنقاش وإعادة التدبر والتفكير.
حفظ الله مصر.


تعليقات
إرسال تعليق