دروس النصر والهزيمة: الاستراتيجية المصرية تجاه إسرائيل.

 




محمود عبد العزيز


إذا كان احتفالنا بتحرير سيناء في 25 أبريل من كل عام حقاً يُمليه الاعتزاز، فإن استحضار دروس النصر والهزيمة واجب، تمليه- على الأقل في هذه اللحظة- خطورة الأوضاع التي تعيشها المنطقة، خاصة لهؤلاء الذين يستعصي عليهم فهم السياسة المصرية.

لقد خُصصت المئات وربما الآلاف من الكتب والدراسات التي تناولت هزيمة يونيه 67، أسباباً ونتائج، لكن القليل منها حاول الاقتراب الموضوعي من الأسس التي تُشكل رؤية مصر الاستراتيجية لمسألة الصراع مع إسرائيل.

وأتصور وربما أجادل بأن ما تعلمته مصر "الدولة" على مستوى الاستراتيجية أعمق بكثير وبفارق كبير عما كُتب بشأن تصورات الحل الشامل أو الحل النهائي الذي رددته -دون وعى- العديد من الأصوات العربية. ومن ثم فإن هذه الرؤية لإسرائيل؛ موقعها وحدود حركتها في المنطقة، تبدو أكثر وعياً ودقة عن غيرها. ولم يكن ذلك مُمكناً دون أن تكون دروس الهزيمة اولاً والنصر ثانياً حاضرة باستمرار أمام مجسات الوعي والإدراك الرسمي والشعبي، وإن كنت أعتقد أن الفرق بينهما في هذه القضية بالذات ليس كبيراً بل يغلب أن يكونا مترابطين ومتلاحمين، حتى لو بدا خلاف ذلك.

أتصور أن رؤية مصر لإسرائيل منذ 67 قد انطلقت من تقييم أربعة ركائز أساسية، وهي: أسباب الهزيمة واستراتيجية تحرير الأرض سياسياً وعسكرياً، وحدود العمل العربي المُشترك، ومنطق التوازنات الدولية، وإمكانيات وحدود الحل السلمي للصراع.

أولاً: أن تحرير الأرض المصرية المُحتلة أولوية مُقدسة تعلو ما سواها. وبالتالي لم يعد ممُكناً الانجراف وراء ضغط المشاعر، فالابتزاز على طريقة "افتحوا لنا الحدود يا مصاروه باش نحرر القدس" لا يجب أن يكون مُحركاً للقرار الاستراتيجي، وعليه يكون العمل السياسي والعسكري طبقاً للإمكانيات المُتاحة والقدرات المتوفرة، فالمعركة مع إسرائيل في جانب هام منها هي معركة وقت. وكلما زادت مدة احتلال إسرائيل للأرض ستشرع في خطوات التهويد والاستيطان ومن ثم تصبح معركة التحرير أصعب.

 كما أن الانتظار حتى يحدث توازن استراتيجي في القوة العسكرية بين مصر وإسرائيل لن يحدث، فحجم السلاح والدعم الذي تحصل عليه إسرائيل أكبر من كل ما يأتي لمصر، فضلاً عن أن الوضع الاقتصادي لا يحتمل ديمومة حالة الحرب، وبالتالي لا مفر من كسر جمود الجبهة والتحرك وفقاً للمتاح.

ثانياً: فيما يخص العمل العربي المشترك، كان الرئيس جمال عبد الناصر قد حدد مصادر القوة العربية في كتابه فلسفة الثورة سنة 54، وهي الترابط المادى والمعنوى بين الشعوب العربية، والموقع الاستراتيجي للمنطقة العربية على الخريطة، والبترول العربي.

وقد عملت مصر طوال الخمسينيات والستينيات على القفز بالعمل العربي إلى مستوى غير مسبوق من التعاون والتكاتف، ورغم ذلك واجهت مصر الخذلان ألف مرة ومرة، أمام ضياع حلم الوحدة بين أخطاء التجربة ومؤامرات الإقليم. أو في قمم عربية تنجح "بطلوع الروح" وأخري تفشل قبل أن تنعقد من الأصل (قمة الجزائر 64 مثالاً)، أو تنعقد دون أن تصدر بياناً كما في قمة الرباط 69 رغم أنها انعقدت إثر الحريق الذي نشب في المسجد الأقصى. وفي الأخير مات عبد الناصر مباشرة بعد واحدة من هذه القمم!

في المُحصلة لم يتمكن العرب من ترجمة مشاعر القومية العربية في وضع نظام للأمن الجماعي وبناء مؤسسات فاعلة لنظام إقليمي عربي. كان صراع القيادة، والزعامة والاستغراق في التفاصيل والسعي للمستحيل وتجاهل المُمكن هو المُسيطر. كل ذلك أفقد العمل العربي فعاليته المُمكنة وأسس لما يُسمى بـ "هدر الإمكانية" بتعبير الدكتور نادر فرجاني في كتابه الذي حمل نفس الاسم.

في الأخير أدركت مصر أن شعار "قومية المعركة" يُمكن أن يتحقق فقط إذا كان العرب راغبين في تحمل عبء القتال لأخر جندي عربي وليس لآخر جندي مصر، حتى لو تحملت مصر الجزء الأكبر.

ثالثاً: فيما يخص التوازن الدولي، فالصراع العربي الإسرائيلي ليس قضية من قضايا الحرب الباردة، ولا تحكمه التوازنات الدقيقة بين القطبين العظميين، الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، فمسألة وجود اسرائيل ليست نقطة خلاف بين القوى الدولية (ربما يكون ذلك مفيداً في النقاش الدائر حالياً بشأن فعالية نموذج التحرير الشعبي الجزائري والفيتنامي)، ولم يكن ضمن الرؤية السوفييتية السماح  لمصر بتحقيق نصر "نهائي" على إسرائيل كما كان يطمح أو يتصور البعض.  وكم من مرة اشتكت مصر في عهد عبد الناصر، ثم في عهد السادات من الفجوة بين التسليح السوفييتي لمصر والتسليح الأمريكي لإسرائيل، وقد رفض الاتحاد السوفييتي (رغم ما بذله من دعم) وضع مصر ولو نسبياً على قدم المساواة عسكرياً مع إسرائيل لتضييق فجوة التفوق الإسرائيلي/ الأمريكي في المنطقة، خاصة في ظل أجواء التوافق الدولي بين القوتين العظميين في بداية السبعينيات، حيث لم يكن الاتحاد السوفييتي راغباً في التضحية بالتقارب مع الولايات المتحدة لأجل القضية العربية.

وقد دفع ذلك بالرئيس عبد الناصر في اجتماعه الأخير مع القيادة السوفيتية في موسكو سنة 70، أن هدد بترك القيادة "لزميل أخر" بنص تعبيره، يُمكنه التواصل مع الغرب لحل الأزمة.

كانت مصر تدرك ذلك في كل الأوقات لكنها لم تتحرك بناءً عليه إلا بعد الهزيمة، ولم يكن التحول باتجاه الولايات المتحدة تحكمه اعتبارات الانحياز الأيديولوجي وإنما اعتبارات الأمن القومي المصري والعربي في المقام الأول والأخير. فلا عبد الناصر كان شيوعياً ولا السادات كان رأسمالياً كما يحلو لهواة التصنيف. تلك قضية والنقاش حول حدود ودرجة الاعتماد على موقف الولايات المتحدة في حل المشكلة قضية أخرى.

رابعاً: الحل السلمي للصراع.

تحترف إسرائيل وتمتهن مسألة الحرب بحكم النشأة والظروف، ولهذا فما تحققه بالحرب من الصعب أن تخسره بالسلام، إلا إذا كان هذا السلام مؤسساً على القوة، وقد كان السلام خياراً استراتيجياً مطروحاً أمام مصر باستمرار في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات،  لكن لم يكن مطروحاً في أي وقت وتحت أي ظرف أن يتحقق بالإذعان أو الاستسلام.

 وبالتالي أدركت مصر أن نجاح العمل العسكري ضد إسرائيل سيضعها في موقعها نسبياً وسيكون نقطة انطلاق مُناسبة للتوصل إلى حل سلمي للصراع، ثم كان عليها أن تتعامل بعقلانية مع التصور النفسي بشأن "الخطر الوجودي لإسرائيل" الذي كان ولازال يردده الكثيرون، ليس لأن إسرائيل لا تُمثل خطراً بكل أحلامها التوسعية، ولكن لأنها بكل التقديرات أقل من أن تبتلع مصر أو تضعها في موضع مؤقت تنطلق منه إلى غيرها ريثما تعود بعد حين. ليست مصر بغافلة، لم تكن ولن تكون.

يقولون دائماً أن المُنتصر يندُر أن يتعلم الكثير من انتصاره أما المهزوم فهو أكثر المتعلمين من الهزيمة. وأضيف أن ذلك مشروطاً بمستوى الحس والوعي والضمير.

تعليقات

المشاركات الشائعة