تقاليد دولة التلاوة المصرية

 




بقلم: محمود عبد العزيز

    

    يحمل لفظ "الدولة" في اللغة العربية، دلالات التحول أو التبدُل، كما في الأية القرآنية "وتلك الأيام نداولها بين الناس" لكن العبرة ليست باللفظ وإنما بالمعنى الذي يُشير إليه أو بالصورة الذهنية التي يتركها مباشرة لدى من يستمع لها.

من هنا فقد ارتفع خيال المصريين بلفظ الدولة من حول التبديل والتغيير إلى حول الثبوت والتقرير. وبحكم خبرة التاريخ الطويلة، أصبح للدولة عند المصريين سمات عميقة تصل إلى درجة التهيب والتقديس التي قد تتجاوز حدود قيام الدولة بوظائفها الأساسية، إلى أن تُصبح الدولة مطلوبة بذاتها وفي ذاتها.

واتساقاً مع القول الشائع بأن القرآن "نزل في مكة وقرئ في مصر"، فقد نشأ لدينا تقليد ممُيز في تلاوة القرآن الكريم، ولما أراد المصريون تمييزه ألحقوا به لفظ الدولة، فظهر تعبير "دولة التلاوة"، انسجاماً مع معاني الهيبة والقدسية والانتظام اللفظي والنغمي المُنضبط بقواعد المقامات الموسيقية البليغة، وبالطبع جلال القرآن.

في دولة التلاوة المصرية، عظماء يُُستعصى حصرهم، ولا يمنع ذلك من الإشارة إلى بعضهم كالشيخ محمد رفعت، والشيخ مصطفى إسماعيل، والشيخ الحصري، والشيخ المنشاوي، والشيخ عبد الباسط عبد الصمد، والشيخ محمود على البنا، والشيخ البهتيمي، ولكل واحد من هؤلاء مدرسته الخاصة ولونه الممُيز.

وكأي دولة تتمتع بتقاليد وقواعد راسخة، يُمثل هؤلاء الفطاحل، ما يُمكن أن نسميه برجال الصف الأول في دولة التلاوة، ولا ينبغي أن استطرد في تسمية رجال الصف الثاني أو ما يليه من صفوف، باعتبار أن ذلك يخضع في المقام الأول لذائقة المُستمع وقدرته على تدقيق وتقييم ما يستمع إليه، فلكلِ منا ذوقه ومذاقه المُفضل.

أبدع كثيرون في شرح أسباب تميز "دولة التلاوة في مصر"، وأتصور أن هناك أمرين من المهم الإشارة إليهما:

الأول، تقاطع تقاليد دولة التلاوة المصرية مع تقاليد المدرسة الموسيقية الحديثة في مصر، بل يُمكن القول أن المدرسة الموسيقية المصرية الحديثة لمؤسسها الشيخ سيد درويش قد خرجت من رحم تقاليد دولة التلاوة، وسيد درويش في الأصل يُمثل امتداداً مُتطوراً لأستاذه الشيخ سلامة حجازي (1852-1917) والذي بدأ حياته قارئاً للقرآن. كما تلقى العديد من كبار المشايخ والموسيقيين علم المقامات وقواعد التجويد وغيرها من أصول القراءة والإلقاء على يد نفس الشيوخ الكبار، فكلُ من الشيخ محمود على البنا، والموسيقار محمد عبد الوهاب، والموسيقار رياض السنباطي درسوا على يد الشيخ درويش الحريري (1881- 1957) الذي يُعد من رواد فن الإنشاد والتواشيح في مصر، كما برع الشيخ مصطفي إسماعيل في الأداء على العود والبيانو، وهو كما نعرفه "أستاذ مدرسة المقامات في دولة التلاوة"، وعُرف عن الشيخ محمد رفعت حبه الخاص لموسيقي بيتهوفن، وفهمه الدقيق للمقامات الموسيقية، وطبقات الأصوات، حيث لم تأتِ شهرته بـ "قيثارة السماء" من فراغ!

ومن اللافت كذلك، أن دولة التلاوة المصرية لم تقتصر فقط على الرجال، بل ضمت مجموعة من السيدات المصريات اللائي أبدعن في تلاوة آيات الذكر الحكيم، ولعل من أشهرهن على الإطلاق الشيخة "منيرة عبده" التي كانت أول سيدة مصرية تعتمدها الإذاعة المصرية في بداية عهدها، لقراءة القرآن الكريم. 

الثاني، وهو فن التواشيح، الذي يُمكن القول أنه الضلع الآخر لدولة التلاوة في مصر، والذي يندر تناوله أو الإشارة إليه من هذه الجهة باعتباره إمتداداً لتقاليد دولة التلاوة المصرية، وقد نطلق عليهم وزراء دولة التلاوة، بما لهم من أسلوب فريد لا يخلو من طرب، ولا يفتقد أبداً تجليات الخشوع، فضلاً عن مرونة التعاطي مع المقامات الموسيقية، كونه لا يخضع لذات القواعد "المُقدسة" التي يخضع لها تقليد تلاوة القرآن الكريم. ومن عظماء المصريين في هذا الفن، الشيخ على محمود طه، والشيخ سيد النقشبندي، والشيخ طه الفشني، والشيخ نصر الدين طوبار، والشيخ محمد عمران، وغيرهم الكثيرين ممن تصدح بهم مساجد المحروسة وشوادرها.

وتنتمي سيدة الغناء العربي أم كلثوم في الأصل إلى تقاليد "فن الإنشاد والتواشيح" بجانب حفظها للقرآن الكريم، حيث تعلمت في البدء على يد والدها الشيخ إبراهيم البلتاجي، ثم تولى تعليمها بعد أن انتقلت إلى القاهرة، الشيخان أبو العلا محمد، وزكريا أحمد، الذي ترك ألحاناً خالدة للمكتبة الموسيقية المصرية، وعلى رأسها رائعة "القلب يعشق كل جميل" التي تمتلئ بمعاني العشق الإلهي، وزاد من بهائها صوت السيدة أم كلثوم.

لم يقتصر إبداع المصريين على وضع أسس لتقاليد التلاوة والإلقاء والطرب، بل أرسوا كذلك "تقاليد السميعة" حيث عبارات المديح والثناء والهتاف بكلمة "الله" تعبيرأً عن الإعجاب، الذي تتردد من خلاله أصداء الأصوات المُطالبة بالإعادة والتكرار، لما لا، فمن منا لم يسمع الجملة الشهيرة "تاني ياست والنبي ده انا جايلك من طنطا"!

هذه هي مصر، وتلك بعض تقاليدها.

تعليقات

المشاركات الشائعة