الدورات الرمضانية: تاريخ شعبي للكرة، أو زمن اللعب مراحش!

 




بقلم: محمود عبد العزيز


ابتكر المصريون في شهر رمضان الكريم، فكرة الدورات الرمضانية التي تُقام في القرى، والأحياء الشعبية، وتمتلئ وسائل التواصل الاجتماعي بمقاطع مُصورة لمباريات مميزة وأهداف ممتعة لا تعرف طريقها إلى الدوري الممتاز إلا قليلاً.

تعبر هذه الدورات عن تطور في طبيعة علاقة المصريين باللعبة التي دخلت مصر مع الاحتلال البريطاني في نهايات القرن التاسع عشر، لكن المصريين كعادتهم قرروا خوض معركة "وطنية" لتمصير اللعبة الجديدة، بحيث تصبح وسيلة غير مباشرة للمقاومة، واجتماع الجماهير، التي منعت من التجمهر بأمر سُلطة الاحتلال.

ولأن الشئ لزوم الشئ، فقد ظهرت الأندية الاجتماعية - الرياضية في مصر لأول مرة سنة 1882 مع تأسيس نادي الجزيرة برعاية حكومية وبطابعه الأرستقراطي المعهود، وعلى غراره تأسس نادي سبورتنج في الأسكندرية سنة 1890.

في المقابل، انتشرت العديد من الأندية الشعبية في مختلف المديريات، وكانت أقرب إلى مراكز شبابية، جمعت بجانب كرة القدم، ألعاب القوى خاصة الملاكمة ورفع الأثقال، ومن رحم هذه الأندية الصغيرة، تشكلت أندية أكبر، مثل نادي الاتحاد السكندري الذي تأسس سنة 1914 باتحاد نوادي الحديثة والأبطال المتحدين، والاتحاد الوطني، الذي سُمى بذلك تيمناً بالحزب الوطني الذي أسسه مصطفى باشا كامل في 1907.

اللافت هنا، أن تأسيس الأندية في مصر، وإن سبق تأسيس الأحزاب السياسية زمنياً، إلا أنه تقاطع معها تاريخياً من جهة الأهداف الوطنية والشخصيات التي قادت النضال السياسي ضد الاحتلال، وساهمت في الوقت ذاته في تأسيس الأندية الرياضية، وتبقى قصة تأسيس النادي الأهلي شاهداً على ذلك، فالعام الذي تأسس فيه النادي سنة 1907 يُعرف تاريخياً بعام الأحزاب السياسية، حيث ظهرت أحزاب، الوطني، والأمة، والإصلاح على المبادئ الدستورية.

أما قصة تأسيس الاتحاد المصري لكرة القدم فهي حكاية أخرى عن تقاطع السياسة الوطنية بكرة القدم، ففي الوقت الذي كانت أجواء الثورة الوطنية في 1919 تغمر البشر والحجر، وبينما كانت لجنة ملنر تغادر البلاد في مارس 1920، تلقت مصر في ذات الشهر دعوة للمشاركة في دورة الألعاب الأوليمبية الصيفية ببلجيكا، وعلى الفور تلقف المصريون الفرصة وتشكلت اللجنة الأوليمبية المصرية التي أصبحت نواة الاتحاد المصري لكرة القدم برئاسة جعفر والى باشا.

في العام التالي حلت بطولة كأس مصر محل الكأس السلطانية، واستغرق الأمر عدة سنوات حتى ظهرت بطولة الدوري العام سنة 1948، ولعب في نسخته الأولى 11 فريقاً كان على رأسهم الأهلي، والترام، وفاروق/ الزمالك، والترسانة، والإسماعيلي، والسكة الحديد.

ظلت الساحات الشعبية تضخ مواهبها في الأندية الكبيرة التي تلعب في البطولات الرئيسية، وأدت وظيفة كشاف المواهب الدور الأساسي في عملية التوريد تلك، ولعل أشهر الكشافين في تاريخ اللعبة بمصر، المرحوم "عبده البقال" كشاف مواهب النادي الأهلي، كما أدى بعض اللاعبين السابقين هذا الدور لأنديتهم مثل الكابتن "بوري" نجم الأوليمبي السكندري الراحل. وبطبيعة الحال، استقطبت أندية الأهلى والزمالك والترسانة (أيام مجده) أغلب هذه المواهب، وحافظت أندية الإسماعيلي والمصري والاتحاد والمحلة على قدرتها في تقديم مواهب نادرة للكرة المصرية رغم ضعف الإمكانيات المادية مقارنة بأندية القاهرة.

إلى هنا يبدو كل شئ متلاحماً وطبيعياً، لكن تركيز أضواء المال والشهرة على الدوري الممتاز، أفسح المجال لظهور تعبير "دوري المظاليم" الذي يُشير إلى دوريات الدرجات الأدنى، باعتبار أن هذه الأندية تقبع في الهامش وتجاهد لكي تصل إلى الدوري الممتاز الذي ينافس أكثر من نصفه تقريباً على الهبوط!، والحقيقة أن هذا المصطلح يعبر عن انقطاع الصلة بين الكرة والجمهور بعد أن تحولت اللعبة إلى حرفة أكثر منها حرفنة، ولا تسأل عن الاحترافية فهي تغيب عن هذا وذاك!

الشاهد، أن الكرة افتقدت للعديد من عناصر بهجتها، وقد يُفسر الشعور بتهميش المواهب الحقيقية، وتصدر المواهب الضعيفة للمشهد الكروي، جانباً مُهماً من هذا الوضع. مقارنة بما نشاهده في الدوريات الأجنبية.

ألقت السينما من جانبها الضوء على هذه الحالة من التهميش الكروي، في رائعة "الحريف" للمخرج الراحل "محمد خان" حيث شخصَ الزعيم عادل إمام بعبقرية دور فارس، الإنسان المتصعلك الطموح الذي يقف على هامش المجتمع، لكنه يحظى بموهبة فريدة في لعب الكرة الشراب بعد أن فشل في الانضمام إلى أحد الأندية الكبيرة، فيصبح نجماً للساحات الشعبية مقابل مراهنات مالية يُديرها "رزق الأعرج/ عبد الله فرغلي"، وفي اللحظة التي سيلامس فيها فارس معنى الاستقرار الوظيفي والعائلي، يُقرر أن يلعب ماتش الاعتزال، هذه المرة مع الفريق الخاسر ودون مراهنات، لأن هذا هو معدنه الحقيقي الذي يعرف أن الكرة للناس وبالناس. في مشهد النهاية وبعد أن يقلب النتيجة لصالح فريقه، يسأله ابنه إن كان سيلعب مرة أخرى، فيجيبه فارس بالنفي، لأنه على حد قوله "زمن اللعب راح".

لكن يبدو أن للدورات الرمضانية رأي أخر، فهي تبدو كصرخة مقاومة سنوية، تستعطف الانتباه إلى آلاف المواهب الحقيقية التي تنتظر من يتبناها، والأهم أن يفهم سر نجاح هذه الخلطة الشعبية، التي نجحت في خلق منظومة كروية موازية بعناصرها من الإدارة والجمهور واللاعبين، وحتى المُعلقين.

الدورات الرمضانية بهذا المعنى، قد تبدو تركيبة متناقضة، ومعقدة من هذه الحالة "الفوارسية" إذا جاز التعبير، فهي إثبات لاستمرار حالة الهامش/ المركز التي تعيشها الكرة بين حالة رسمية تفتقد المزاج والحرفنة وتعاني الضجيج دون الطحين، وحالة شعبية تعج بالحرفنة والمتعة لكن شعارها " زمن اللعب مراحش". 


تعليقات

المشاركات الشائعة