ترامب وتفكيك الـ Pax-Americana

 




بقلم/ محمود عبد العزيز

أشرفت الولايات المتحدة على تأسيس النظام الدولي القائم بعد الحرب العالمية الثانية، بهدف أساسي وهو الحيلولة دون أن تقع حرب عالمية مُدمرة مرة أخرى، ولتحقيق هذا الهدف كان لابد من مأسسة النظام الجديد من خلال قواعد قانونية ومؤسسات تنظيمية سياسية واقتصادية وقضائية، يمكنها تحجيم الفوضى وتنظيم العلاقات بين الدول وحل النزاعات بصورة سلمية.

الولايات المتحدة كانت على رأس هذا النظام والضامن الأول لاستمراره وبالطبع المستفيد الأكبر منه، ومن هنا لعبت دور الشرطي أو الحارس، ليعيش العالم في إطار ما يُسمى بـ Pax Americana/ السلام الأمريكي. الذي وصل إلى ذروته بعد إنتهاء الحرب الباردة وتفكيك الاتحاد السوفييتي، فأصبحت الولايات المتحدة تغرد منفردة على القمة في إطار قواعد العولمة بما تضمنه من حرية انتقال الأفراد ورؤوس الأموال والقيم والأفكار.

ترامب المحسوب على تيار مُعادي للمؤسسات الأمريكية، وهي بخلاف أهميتها للنظام السياسي الأمريكي في الداخل، فمن المفترض أن تقوم أيضاً بعقلنة القدرات الإمبراطورية حتى لا تتحول إلى طموحات جامحة تدمر الأخضر واليابس، يقوم الآن باستكمال عملية الإشراف على تفكيك المؤسسات الأمريكية وإطلاق الجنون الإمبراطوري من عقاله، وبالضرورة سيعني ذلك وسيتطلب تفكيك المؤسسات الدولية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، وبالتالي من الطبيعي أن يُطلق ترامب كل هذه التصريحات منذ أن عاد إلى البيت الأبيض، وأخرها فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية لأنها تعمل على غير هواه النتنياوي! فيوجه ضربة ولو رمزية إلى منظومة العدالة الدولية التي يجب أن تكون مرجعاً للجميع.

قبل ذلك وجه ضربات إلى مبدأ حرية التجارة العالمية بفرض رسوم جمركية مبالغ فيها على الحلفاء والاصدقاء قبل الأعداء.

ويقوم الآن بإعادة الاعتبار لطموحات التوسع الاستعماري إما بالضم السلمي على طريقة ضم النمسا لألمانيا النازية، أو بالاحتلال العسكري المباشر إذا لزم الأمر، ثم هو لا ينفك يتحدث عن صغر حجم ومساحة إيرائيل وحاجتها إلى التوسع، في استعادة لسياسة المجال الحيوي لألمانيا النازية/ ليبنسراوم التي تقتضي بطبيعة الحال، التهجير والإبادة والتطهير العرقي، رغم أن هذا هو الإرث الذي من المفترض أن يعاديه النظام الدولي والولايات المتحدة التي تقف على قمته.

تفكيك النظام العالمي مسألة لا تتم في يوم وليلة ولكنها ستستمر لسنوات طويلة، وحتى يتأسس نظام جديد أكثر عدلاً وإنصافاً، سيعيش العالم في سنوات من الفوضى (يعيشها بالفعل)، حيث لا بديل حالياً أو في الأفق المنظور لنظام عالمي جديد.

في سنوات الفوضى، لا نجاة لضعيف ولا بديل عن إعادة الاعتبار للقوة، والضعيف ليس من لا يمتلك القوة وإنما من لا يجيد استخدامها في الظروف والتوقيت المناسب وفيما يستحق.

تعليقات

المشاركات الشائعة