مصر والسودان: كأس وادي النيل.
محمود عبد العزيز
العلاقة بين أي دولتي جوار تحكمها اعتبارات تاريخية وسياسية وثقافية مختلفة. لكن العلاقة بين مصر والسودان ليست مجرد علاقات جوار تاريخي وإنما هى مصير مشترك ووحدة ضميرية تربط الشعبين معاً، وإن لم يُكتب لهذه الوحدة أن تتحقق سياسياً رغم شعار استقلال وادي النيل الشهير "مصر والسودان لنا وانجلترا إن إمكنَ"!
ولست أخوض هنا في مسيرة العلاقات بين البلدين وما اتصل بها من خير أو سوء على مدار 68 عاماً هى عمر السودان المُستقل. وأعتبر أن المُقدمة السابقة بمثابة الحقيقية وما دونها هو السراب.
ليس خافياً على أحد ما يعانيه السودان اليوم من ويلات حرب ضروس أتت على الأخضر واليابس وتهدد باستمرار وحدة التراب السوداني، وأحد تبعات هذه الحرب وأهونها بطبيعة الحال هو توقف النشاط الكروي شأن كل أنشطة الحياة اليومية التي اعتاد أن يمارسها السودانيون.
وقد عرفت أن الاتحاد السوداني لكرة القدم قد اجتمع في القاهرة لبحث إمكانية استضافة فرق الدوري السوداني بأحد الدوريات العربية أو الأفريقية حفاظاً على استمرارية النشاط الكروي، حيث وافق الإتحاد الموريتاني الشقيق في 24 مايو الجاري على استضافة فريقي القمة السودانية (الهلال والمريخ) للعب بالدوري الموريتاني الممتاز وكذا استضافة أنشطتهما الكروية الأفريقية.
ولا يخفي على أحد أن مصر الآن تستضيف بين أحضانها أكثر من أربعة ملايين سوداني (هذا الرقم يعود لتقديرات الأمم المتحدة لعام 2022 أي قبل الحرب بعام)، وتحتاج هذه الملايين إلى كل ما يربطها بالوطن الأم حتى لو كانت مباراة كرة قدم. ولا أعتقد أن أحداً يمكنه أو ينبغي له أن يُقدم على هذه الخطوة إلا مصر، فهي أولى بالسودان والسودان أولى بها.
يعرف حميعنا ما تُمثله الرياضة وكرة القدم في حياة الشعوب اليوم، وكنت ولا زلت أقول أن الحرب الدائرة في السودان رغم مأسيها إلا أن لها بعداً إيجابياً يرتبط بإعادة النبض إلى العلاقة بين الشعبين المصري والسوداني اللذين جرى استهدافهما على مدار سنوات طويلة بدعايات مُضلله عطلت مسيرة التقارب بينهما، ومن ثم فإننا أمام فرصة تاريخية يقترب فيها المصريون والسودانيون أكثر من بعضهم البعض، وليس هناك أفضل من المعايشة اليومية لتكون باباً إلى هذا السبيل، سبيل الوحدة والإخاء.
وأذكر نفسي والجميع أنه حين تعرضت مصر للهزيمة في حرب 1967 انتقلت الكلية الحربية المصرية إلى السودان كما استضاف السودان الطائرات المصرية حتى تبقي بعيدة عن مدى الطيران الإسرائيلي، ريثما نتمكن من إعادة بناء مطاراتنا العسكرية وتفعيل شبكات الدفاع الجوي اللازمة لصد طائرات العدو، وبنفس المعني ومع الفارق أتصور إمكانية أن تستضيف مصر الفرق الرياضية السودانية الكروية وغير الكروية.
كان الاتحاد المصري لكرة القدم قد أطلق مُسمى "دوري النيل أو دوري Nile" على الدوري المصري الممتاز، وقد يكون من المناسب الآن أن يصبح لدينا "كأس وادي النيل" يجمع بين فرق مختلفة مصرية وسودانية تجسيداً للوحدة المشتركة بين الشعبين، وتعظيماً للجهود التي تبذلها مصر دون ضجيج في احتضان الشعب السوداني الشقيق.
إن هذه دعوة صادقة أتمنى أن تجد من يتلقفها ويدرسها بعناية فيأخذها من حيز الأماني إلى أرض الواقع، فعندما ينادي السودان تُلبي مصر.



تعليقات
إرسال تعليق