تساؤلات حول فوبيا الكتابة
بقلم/ محمود عبد العزيز
تأتي على الكاتب لحظات قد لا يجد فيها ما يكتبه، يشعر معها أن عقله قد تحول إلى نهر جفت مياهه، فلا يُعد ذك مؤشراً سلبياً في حد ذاته، حيث يصبح اللجوء إلى القراءة والتأمل هو الملاذ الوحيد، إلى أن يأتي الوقت الذي يستعيد فيه اللياقة الفكرية والذهنية، فلا تكون هذه الفترة إلا كالبيات الشتوى الذي يعقبه انطلاقة الربيع.
المشكلة إذن هى عندما يكون لدى الكاتب ما يكتبه أو يقوله، ولا يفعل، إما برغبة في الامتناع أو عدم قدرة على القول. فماذا لو حضرت الرغبة وغابت القدرة.؟
إذن، فتش عن الخوف !
عندما اخترع أحدهم فكرة الرقيب على الصحف والسينما ومختلف أنواع الانتاج الثقافى، كانت هناك حجة واضحة لتجنب الكتابة في موضوع ما، أو مناقشة فكرة مُحددة. كانت حجة لها مسوغاتها المنطقية الملموسة.
لكن ماذا عندما يتحول الرقيب الخارجي إلى رقيب من الداخل، عندما يتحول الهمس في النفس إلى قيود مُركبة تصل ربما إلى المنع الذاتي عن التفكير في قضية أو مسألة. النتيجة الحتمية بعد حين هى تسطيح العقل وتقزيمه.
ثم ماذا لو تحول الرقيب الداخلي والخارجي إلى عشرات أو ألاف، بل إلى ملايين التي تمارس الرقابة بشتى صنوفها المادية والمعنوية، وتمتلك القدرة على الاغتيال النفسي وهتك الأعراض والتكفير والتخوين، وإلى أخر قائمة السب والقذف العلني والسري.
كيف وُلد الخوف؟
إن الخوف هو غريزة طبيعية تماماً تُولد مع الإنسان لحظة ميلاده وتبقى معه إلى أن يُفارق الحياة، وإذا استعنا بعالم النفس "سيغموند فرويد" فهو يُقسم الخوف إلى ثلاثة أنواع؛ الأول الخوف الموضوعي، مثل أن تخاف من حقائق طبيعية ضررها مؤكد، كالخوف من مواجهة سيارة في عكس اتجاه السير لأن النتيجة المؤكدة هى حياتك، وتكون المشكلة عندما يتحول الخوف الموضوعي إلى وساوس أو هواجس مستدامة فيأخذ شكل الفوبيا.
النوع الثاني من الخوف، هو الذي ينشأ نتيجة القلق العصابي، وهو المتعلق بالخوف من تبعات محاولة إشباع غريزة أو مجموعة من الغرائز الطبيعية، ومن ثم فهو قلق ناتج عن الظروف والنتائج المتوقعة عن الفعل وليس من الفعل ذاته.
النوع الثالث، وهو القلق الضميري أو الأخلاقي، وذلك في حال اصطدم الإنسان مع منظومة القيم العليا التي يؤمن بها، فيشعر بما نسميه "تأنيب الضمير"
إذن، من أين تنشأ فوبيا الكتابة، هل من أسباب موضوعية مؤكد ضررها، أم من أسباب تتعلق بنتائج الكتابة، أم بالقلق من تأنيب الضمير إذا خالفته؟
الإجابة المناسبة عن هذا التساؤل هى بالأساس محاولة في البحث عن الأسباب ومن ثم عن العلاج، وكما يري فرويد فإن الرغبة في العلاج والخوف منه أمران متناقضان، وليس أكثر تناقضاً وتعقيداً من هذا التوصيف سوى أن فوبيا الكتابة تلك ليست سوى تركيباً مُعقداً لأسباب الخوف سالفة الذكر.
فالمشاركة في إصلاح أحوال المجتمع والاشتباك الموضوعي مع قضاياه هو بمثابة قيمة ضميرية تؤدي مخالفتها أو القيام بعكسها ليس فقط إلى تأنيب الضمير، بل إلى أزمة الضمير إذا جاز التعبير، وفي الوقت ذاته فإن فعل الكتابة قد تكون له عواقب أو نتائج سلبية تُفرزها حالة الاستقطاب المجتمعي والديني الشديد إزاء مجمل القضايا التي يتعرض لها الرأي العام يومياً، ويصبح هذا الخوف فوبيا عندما تتحول الأسباب الموضوعية للخوف إلى هواجس أو حتى هلاوس تُمارس دور الرقيب الذاتي، فتؤدي ليس إلى الخوف من الكتابة فقط، بل إلى الخوف من القلم ذاته.
إن الخوف في هذه الحال موضوع المقال ناتج إذن من مواجهة الظروف المتعلقة بفعل الكتابة أو بالنتائج المترتبة عليه، ويُرشدنا تاريخ الفكر الإنساني إلى أن مواجهة الأفكار والجماهير قد ينتج عنها مسارين أساسيين:
الأول: أن يتحول صاحب الفكرة بفكرته لمغازلة الجماهير ودغدغة مشاعرها، فيزين لها وتُزين له، والنتيجة تيارات كالنازية والفاشية والأصولية المتطرفة التي أودت بالبشرية إلى الجحيم الذي اكتوى بناره الجميع بدءً من أصحاب الفكرة إلى أتباعها، وصولاً حتى إلى معارضيها الذين دفعوا ثمن مواجهتها، قولاً وفعلاً.
الثاني: أن يصدم الجماهير بفكرته أو انتاجه الفكري فإما تتقبله ولو جزئياًً وهى نتيجة لا تأتي سريعاً على كل حال، أو تتحول الصدمة إلى اصطدام. فتكون العاقبة على صاحب الفكرة.
الحقيقة أن هناك طريقا أخر قد يسلكه الكاتب وهو طريق الاستعلاء على الجماهير، فيعتمد لغةً عسيرة على الفهم مليئة بالمصطلحات التخصصية والمدرسية. بيد أن هذا الطريق لا يثمر ولا يفيد، فالمعرفة دون أن تكون في خدمة الناس ونفعهم لا قيمة لها مهما تدثرت برداء المصطلحات البراقة أو محاولات الحذلقة الفكرية.
ولكن أليس هناك من طريق وسط يمكن أن يتبعه الكاتب في التعامل مع الجمهور الذي يقرأ له أو يسمع عنه، وهل يجب أصلاً أن يتبع الكاتب طريقاً وسطاً في عرض فكرته؟
إن الأفكار الحقيقية والجيدة بطبيعتها تحمل قدراً من الصدمة إن لم تكن صادمة بالأساس، وهذه هى طبيعة المعرفة كونها تكشف عن الجهل. ومن ثم فالطريق الوسط مسألة غير ممكنة ولو نظرياً. وليس من نافلة القول أن نشير إلى أن الوسط كاتجاه فكري هو سئ السمعة خاصة في فكرنا العربي، حيث يُنظر إليه كمحاولة للجمع أو التوفيق بين المتناقضات فينقلب التوفيق إلى تلفيق بتعبير "ساطع الحصري"، والمفارقة أن هذا الوسط الفاشل فكرياً كونه غير مُنتج، فهو ناجح سياسياً كإدعاء تحول لتيار لديه القدرة على اجتذاب قطاعات عريضة من الجماهير تحت دعاوي وظروف متعددة !
المشكلة أن الجماهير التي من المفترض أن يكتب لها وعنها الكاتب هى جماهير لا تقرأ في العادة بل تعتمد على ما تسمعه أو ما يُنقل لها على الألسنة، وهى في العادة تنقل كلاماً مجتزأً وأفكاراً مبتورة ومشوهة. وفي عصرنا تتفاقم هذه الإشكالية مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي حيث كل مُستخدم هو مؤلف وناشر ومُعلق وناقد. هو هذه الوظائف أو الأدوار جميعها، فتعدو مشكلة الكتابة إشكالية كبيرة محفوفة بالمخاطر، تضع الكاتب أمام خيارات صعبة، إما أن يكتب ما يُرضى الطيف العام، وإما أن يكتب فيصطدم معه، وإما أن يمتنع عن الكتابة وبعد قليل قد يمتنع عن التفكير.
حين نشر الفيلسوف الألماني "إيمانويل كانط" مقالته عن التنوير، جعل شعار دعوته "كن جريئاً في استخدام عقلك"، فبدون الشجاعة وبدون القدرة على تحمل العواقب ربما لم يتمكن المجتمع الانساني من أن يُحقق انجازاً واحداً في أي فرع من فروع المعرفة الإنسانية والعلمية... لذا "كن جريئاً في استخدام عقلك"، دون حماقة وفي ذلك حديث آخر.



تعليقات
إرسال تعليق