حقبة وثلاثة أنظمة: ماذا تبقى من ثورة يوليو
محمود عبد العزيز
في 26 يوليو 1952 تنازل الملك فاروق عن العرش لولي عهده أحمد فؤاد. انتهى النظام الملكي عملياً. لم يستغرق الأمر سوى بضعة أشهر لإعلان الجمهورية في 18 يونيو 1953 لتبدأ حقبة جديدة في تاريخ مصر المعاصر. شهدت البلاد تغييرات عميقة على كل المستويات، تعاقب على الحكم ثلاثة أنظمة بدأت بتنحية الرئيس محمد نجيب في 1954 وانتهت بتنحي الرئيس مبارك في فبراير 2011. بعد أكثر من 12 عاماً بعد هذا التاريخ يرى البعض أن ثورة يوليو لازالت مستمرة ولم تنتهي بعد، فإلى أي حد يمكن أن نقول أن يوليو ونظامها السياسي قد انتهت؟ وبصيغة أخرى ما الذي تبقى من هذه الثورة؟
إن سؤال النهاية يفترض أن صيغة النظام السياسي الذي بدأ مع حقبة يوليو قد انتهت، وأن ثمة صيغة جديدة قد حلت محلها، بغض النظر عما بينهما من تشابهات لكنها لا تأتي على ما لكلِ منهما من وجود مستقل، والوجود المستقل هو وجود يُعرف بالمؤسسات والسياسات وليس بالأشخاص. فالأولى تبقى وتتطور والأشخاص زائلون.
أقول ذلك لأن التعامل العلمي مع ثورة يوليو ينبغي أن يتجاوز أسلوب التجزئ والشخصنة في أغلب ما كُتب ويُكتب عنها وعن أنظمتها الثلاث، لتصبح وحدة التحليل هي السياسات وليس الشخصيات. فالسياسات وإن عبرت عن مواقف تتخذها النخب بناءً على رؤيتها الفكرية ومصالحها، لكنها بالأساس نتاج التفاعل بين اتجاهات هذه النخب وبين الظروف المحيطة بها، فالسياسات تكشف عن منطق الاستمرارية ورغبة البقاء ومن ثم فإن تحليلها يُضفي قدراً من الموضوعية في قراءة وفهم الظاهرة بعيداً عن أغراض الحب أو الكره، وبالتالي فإن التعامل من هذا المنطلق يُمكننا من رؤية حقبة يوليو باعتبارها كلُ متكامل وحقبة زمنية متصلة وممتدة.
من هنا يتعامل هذا المقال مع "يوليو" كحقبة واحدة شهدت ثلاثة أنظمة متعاقبة يربط بينها عقد ناظم ومنطق خاص، ويُستند في ذلك إلى أمرين:
الأول: أن هذه النظم بينها جذر مشترك وجوهري في تكوينها وبقاءها. وهي أنها جميعاً أنظمة سلطوية تختلف في الدرجة ولا تختلف في النوع، وينطبق عليها ما ينطبق على غيرها من النظم السلطوية المشابهة. بغض النظر عن طبيعة الثورة الوطنية وموقعها التاريخي كجزء من حركات التحرر والاستقلال الوطني. النظر على هذا النحو مسألة هامة في التحليل السياسي.
الآخر: ما طرحته أستاذة العلوم السياسية في جامعة ميتشجن الأمريكية "إريكا فرانتز"، عن مفهوم "الحقبة السلطوية"، والذي استخدمته للدلالة على إمكانية أن يتناوب أكثر من نظام سلطوي على الحكم خلال فترة زمنية مُمتدة، وهذا هو حال ثورة/ حقبة يوليو.
وكمثال أخر على مسألة الحقبة السلطوية، فلدينا إيران قبل وبعد الثورة الإسلامية في 1979، قبل ذلك التاريخ عاشت البلاد تحت حكم الشاه، وبعد سقوطه خضعت لحكم ديني متوحش، ما يعني أن إيران عاشت وتعيش في حقبة سلطوية ممتدة منذ ما يقرب القرن من الزمان.
إذن ما هو المنطق السياسي/ العقد الناظم لحقبة يوليو "السلطوية" وأنظمتها الثلاث، وأين نبحث عنه؟
يكمن منطق هذه السلطوية الممتدة في سياساتها وليس في نصوصها، أي أن البحث عنها لا يكون في النصوص وإنما في الممارسات، فليس لثورة يوليو وثيقة تفصيلية تحوي أفكارها ومبادئها، إلا إذا تعاملنا مع الميثاق مثلاً أو كتاب فلسفة الثورة للرئيس جمال عبد الناصر باعتبارهما وثيقتان لثورة يوليو، فالحق أن يوليو تطورت زمنياً بممارسة التجربة والخطأ و باختلاف الظروف، سواء في عهد عبد الناصر أو في عهدي السادات ومبارك.
كما أن النصوص الدستورية في كل العهود الثلاث لم تكن نصوصاً مُنشئة للواقع بقدر ما كانت كاشفة عنه عاكسة لطبيعة التحول الذي حدث بالفعل داخل النظام، فقد كان لهذه الأنظمة القدرة على التعامل بمعزل عن هذه النصوص باعتبارها حبراً على ورق، فعلى سبيل المثال حين تبنى نظام عبد الناصر نهج الاشتراكية، جاء دستور 1964 ليقر النهج الجديد للنظام السياسي، فنصت المادة الأولى منه على أن "الجمهورية العربية المتحدة دولة ديمقراطية اشتراكية تقوم على تحالف قوى الشعب العاملة"، والمفارقة أن هذه المادة التي تنص على الاشتراكية ظلت كذلك حتى تعديلات دستور 1971 في عام 2007.
بنت حقبة يوليو صيغة نظامها السياسي بناءً على عقد اجتماعي غير مكتوب، مفاده أن تحل الدولة محل المجتمع وتتولى توفير احتياجاته الأمنية والاقتصادية والاجتماعية وقيادة مشروع التنمية الشاملة والاستقلال الوطني في مقابل إرجاء مطالب الديمقراطية والحريات السياسية إلى إشعار آخر أو إلى أن تسمح الظروف، هذا إن سمحت.
هذه هى طبيعة السلطوية التي نشأت في عهد عبد الناصر واستمرت بصورة أخف في عهدي السادات ومبارك، وبالطبع لا تفتقد كل هذه النظم إلى الوطنية أو النبل في العديد من أهدافها رغم سلطويتها.
وكلما قدمت تنازلات في المجال السياسي، قابلته بتنازلات في المجال الاقتصادي والعكس صحيح. من هنا توازت سياسة الانفتاح السياسي مع الانفتاح الاقتصادي، مع إمكانية أن تتخلى الدولة عن تسامحها تجاه أى معارضة في لحظات الأزمة الحقيقية بمنطق أن للديمقراطية أنياب بتعبير الرئيس السادات، وهذه التنازلات ضرورية لتحقيق البقاء والاستمرار للنظام السياسي. فصيغة حكم الرئيس عبد الناصر السياسية والاقتصادية لم يكن ممكناً أن تستمر في عهد الرئيس السادات، حتى لو كان على رأس السلطة عبد الناصر نفسه. وهكذا، هناك منطق دائم ومستمر وراء التغيير في جوهر الحكم السلطوي على مدار ستين عاماً.
ولأن المجال لا يتسع للإشارة إلى كل الخطوط العريضة التي تمثل ملامح مشتركة لحقبة يوليو ومنطق تطورها من خلال المعادلة السابقة. فإن ما لا يُدرك كله لا يُترك كله، فأكتفي منها بأربع:
1. تأميم السياسة.
أممت حقبة يوليو المجال السياسي بشكل كامل لصالح أجهزة الدولة، فألغت الأحزاب، وأقرت مبدأ الحزب الواحد وتراجع دور المجتمع المدني السياسي إلى الحد الأدني، وقد استمر هذا الحال حتى أطلق الرئيس السادات تجربة المنابر ثم التعددية الحزبية في سنوات 76 و78، فورث الحزب الحاكم صيغة التنظيم الواحد لكن في ظل هامش للمعارضة كان يتسع أو يضيق حسب الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حتى وصل المناخ إلى أوج انفتاحه في السنوات الخمس الأخيرة من حكم الرئيس مبارك، والتي شهدت زخماً سياسياً شديداً. تحولت السلطوية الجامدة والمغلقة في عهد عبد الناصر إلى شكل من السلطوية التنافسية في عهد الرئيس مبارك وقد بدأ هذا التحول في عهد الرئيس السادات>
ويُعتقد أن السلطوية التنافسية نموذج من الحكم تلجأ إليه النظم السلطوية لتخفف على نفسها الضغوط المحلية والخارجية، ولا تستهدف منه الانتقال المباشر إلى الديمقراطية، لكن هذا النموذج من شأنه أيضاً أن يتراجع لصالح عملية انتقال ديمقراطي منظم في حال وُجد ظهير معارض قوي يمكنه اقتناص فرصة المناخ المفتوح نسبياً ثم الدخول في تفاوض مع السلطة التي تتشكل في داخلها غالباً تيارات إصلاحية يصبح لديها رغبة في انجاز هذا الانتقال. لم يحدث ذلك في مصر 2011 بطبيعة الحال، لأسباب كثيرة وعلى رأسها أن مصر لا يوجد بها معارضة حقيقية ومتماسكة في تنظيمها أو رؤيتها.
2. اللا أيديولوجية.
امتلكت حقبة يوليو مشروعاً له عناوين عريضة هي التقدم الاجتماعي والاستقلال والتصنيع والزراعة والتعليم والتحرر الوطني والدور الريادي، لكنها أبداً لم تمتلك برنامجاً أيديولوجياً لتحقيق هذه الأهداف، بل غيرت من مساراتها الفكرية بناءً على الظروف. لا يمكن القول أن الرئيس عبد الناصر ينتمي إلى الاشتراكية فقد كان يعادي التيارات الشيوعية، وليس صحيحاً من الأساس أن صيغة الاقتصاد السياسي في عهد عبد الناصر كانت اشتراكية، والأصح أنها صيغة تنتمي إلى نماذج عموم الكتلة الشرقية وأغلب بلدان الجنوب، التي تعتمد صيغة الحزب الواحد سياسياً والتخطيط المركزي اقتصادياً، وقد كانت تلك "موضة الخمسينيات والستينيات".
كما أن نخبة يوليو أيضاً لا أيديولوجية. فالنخب التي أسست القطاع العام وأشرفت على خطط التنمية المركزية، تصدرت مشهد وسياسات الانفتاح الاقتصادي في عهد الرئيس السادات، ثم السياسات الليبرالية الجديدة في عهد الرئيس مبارك، وقد وصف الأستاذ أحمد بهاء الدين اشتراكية عبد الناصر بأنها اشتراكية بلا اشتراكيين.
وحين تعرضت البلاد للهزيمة ومن قبلها فشلت الخطة الخمسية في تحقيق أهدافها التنموية لم يكن هناك بُد من تغيير المسار، فضلاً عن أن الظروف نهاية الستينيات وبداية السبعينيات كانت تفرض ذلك، فقد فشلت سياسة الإحلال محل الواردات التي تبنتها الدول النامية وحديثة الاستقلال في خلق قاعدة تصنيعية وانتاجية تستهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي ثم التصدير إلى الخارج مع مضاعفة أرقام الاستثمارات لتحقيق قفزة في السماء للحاق بركب الدول المتقدمة، وما حدث بعد ذلك من تغييرات يُصبح مفهوماً بناء على هذا الأساس البراجماتي أو بناءً على ما تتطلبه الظروف.
3. التماهي بين الدولة والنظام السياسي.
في العلوم السياسية يُفرق الباحثون بين النظام السياسي وبين الدولة، فالدولة كيان موضوعي يعلو النظام السياسي، والأخير هو المؤسسات الرسمية وغير الرسمية التي تدير هذا الكيان، ومن ثم يمكن أن يتبدل ويتغير، أما الدولة فلا تتغير ولا تتبدل ولا تنحاز. قد يبدو ذلك اختلافاً نظرياً، لكنه ملموس إلى حد بعيد في البلدان الديمقراطية، وفي حالة الحقبة اليوليوية فقد جرى هذا التماهي، فحل النظام السياسي محل الدولة، وأصبح شخوص هذا النظام هم الدولة، في إحياء لمقولة لويس الرابع عشر "أنا الدولة والدولة أنا". حدث ذلك باستمرار خلال هذه الحقبة رغم محاولات المأسسة التي شهدها عصرى السادات ومبارك خاصة مع تزايد دور البرلمان والمؤسسة القضائية. ومن هذا التماهي تنشأ التشابكات بين المصالح الشخصية والمصلحة العامة، وما تؤدي إليه من مشكلات الفساد والمحسوبية والزبونية.
4. تضخم الدولة
أفرد الراحل الدكتور نزيه الأيوبي دراسة كاملة وعميقة في دراسة ظاهرة "تضخيم الدولة العربية"، وتضخم الدولة وصف ينطبق بامتياز على الحقبة اليوليوية، حيث أصبحت الدولة تقوم بكل الوظائف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، حتى وإن سمحت بآخرين يشاركونها في هذه الوظائف، أو تركت بعضها تماماً كما في عهد الرئيس مبارك، لكن النظام السياسي بالقدرة احتفظ على الانقضاض العكسي على أي مُكتسبات يُحصلها المجتمع في مواجهة الدولة، ويُفسر هذا التضخم في أداء الوظائف تضخماً مقابلاً في الأعباء ومن قبله في الأخطاء التي أفرزت هذه الأعباء.
عوداً على بدء، ماذا تبقى من حقبة يوليو؟
أتصور أنني لا أمتلك إجابة كاملة ومحددة عن هذا التساؤل، فالقارئ أقدر مني عليها.



رائع يا د.محمود
ردحذفأشكرك. شكراً جزيلاً
حذف