منطق العدل والحرية: نقاش حول الهجوم الأوكراني المُضاد.
محمود عبد العزيز.
منذ اليوم الأول للغزو الروسي لأوكرانيا، كان واضحاً
الخلل في الأداء العسكري للقوات الروسية، التي تكبدت عشرات الألاف من القتلى والجرحى
وآلاف من المعدات المُدمرة، وقد انتهي بها الحال إلى الاعتماد على مجموعات من المرتزقة
للدفاع عن خطوطها الأمامية. تلك نتيجة منطقية لسوء التقدير الاستراتيجي ومن قبله
فساد الأوليجاركية الحاكمة.
بطبيعة الحال تلقت أوكرانيا الدعم من الولايات المتحدة
ودول الاتحاد الأوروبي لمواجهة الغزو الروسي، لكن الحصان الأسود والفارس الحقيقي،
هو الجندي الأوكراني الذي قاتل ويقاتل ببسالة تستحق الإشادة والتقدير. كانت روسيا
تتصور أن هذا الجيش سيتفكك في ساعات بعد بدء الغزو على شاكلة الجيش الأفغاني الذي
انهار في ساعات أمام قوات طالبان رغم كل المليارات التي أنفقتها الولايات المتحدة
على بنائه.
لن تكون هذه هي المرة الأولي التي يشن فيها الأوكرانيون
هجوماً على القوات الروسية لتحرير أراضيهم، سبق وأن تم تحرير العديد من المدن التي
احتلتها روسيا في بداية الغزو وعلى رأسها "خيرسون". لكن الهجوم المضاد
الشامل يعني أن الكفة باتت الآن في صالح الجيش الأوكراني وأن زمام المبادرة قد
انتقل من موسكو إلى كييف. تلك لحظة اجتهد الأوكرانيون ومن خلفهم الولايات المتحدة
للوصول إليها وها هم الآن على مشارفها.
الرئيس الأوكراني "فلوديمير زيلنيسكي"، أثبت
أهليته الكاملة لإدارة شؤون بلاده خلال هذه المرحلة الحرجة، وأجاد تمثيل شعبه أمام
العالم والدفاع عن حقوقه بكل ما أمكنه من وسائل. أقول أثبت أهليته لأن هذا الرجل
تعرض للسخرية والانتقادات اللاذعة بالنظر إلى خلفيته السابقة كممثل كوميدي. في
منطقتنا العربية وفي محيطنا نسمع دائماً انتقادات للرجل على هذه الشاكلة لإظهاره
كمهرج تسبب في دمار بلاده أو أعطي روسيا مبرراً لغزو بلاده. والحقيقة أن "روسيا
بوتين" لم تكن تحتاج إلى أي مبررات لغزو أوكرانيا، يكفيها ما اختلقته من
ذرائع وما نشرته من فوضي في مؤسسات الحكم الأوكراني منذ استقلال أوكرانيا عن
الاتحاد السوفيتي وإلى الآن.
الهجوم بهذه الصورة على الضحية لتبرير خطأ القوي الكبرى
سواء كانت روسيا أو حتى الولايات المتحدة لا يعني في المقام الأول إلا تماهياً مع
منطق الذراع، ويعني في المقام الثاني أن العرب ليس لهم أي شرعية في الدفاع عن الحق
الفلسطيني في مواجهة الآلة الإسرائيلية -إسرائيل تبرر جرائمها بما تسيمه إرهاب
الفلسطينيين-، أو حتى الدفاع عن أنفسنا إذا تعرضنا لابتزاز من إحدى هذه القوى
العظمي. ماذا لو جرى ابتزازنا بالفعل، هل يكون مطلوباً منا أن نقبل منطق الابتزاز إرضاءً لها وتجنباً منا لنار الحرب. أين من كان فينا يقول "إن لم يكن من
الموت بدُ فلا فمن العار أن تموت جباناً".
المشكلة أن المجتمع الأوكراني يرفض وبشكل حقيقي أن يكون
امتداداً لجارته التاريخية، هذا الرفض ليس فقط على المستوى الجيوسياسي وإنما أيضاً
على المستوى الداخلي، أي أن يتحول المجتمع الأوكراني إلى نسخة من المجتمع الروسي
الذي يُصارع الفساد والاستبداد. هذا ما لا تريد روسيا أن تتقبله أو تقبل به، بذات
القدر الذي يأبى المدافعون عنها هنا ممن يعيشون بيننا أن يتفهموه أو أن يفهموه.
فهل لنا أن نعاقب شعباً يريد أن يعيش حراً يختار نظامه داخلياً، ويحدد خياراته
الاستراتيجية خارجياً بما يتلاءم مع مصالحه وبما يحمي هذه الخيارات؟
دخل الروس هذه الحرب على أمل منع أوكرانيا من الانضمام
إلى حلف الناتو أو الاتحاد الأوروبي. الآن أوروبا كلها تتحفز للغدر الروسي؛ فنلندا
التي سبق ولقنت الروس السوفييت درساً في ثلاثينيات القرن الماضي، وكانت تقف على
الحياد انضمت مؤخراً إلى الناتو، والسويد هي الأخرى تتأهب لهذه الخطوة. أوروبا
الغربية النائمة في أوهام السلام الدائم استفاقت من ثبات طويل وبدأت في تسليح
نفسها. باختصار أعطي بوتين قبلات حياة إلى الحلف العسكري الأكبر في العالم، وأشعل
سباق التسلح الذي سيخسر فيه حتماً أمام التقدم التكنولوجي الأوروبي والقدرة على
الانفاق التي ستتزايد عاماً عن الأخر.
لن يكون الهجوم الأوكراني خاطفاً، مثلما كانت تنوى روسيا
من هجومها في فبراير 2022، بل هجوماً طويل الأمد قد يستمر عاماً بطوله، قد يحرر
الأرض المُحتلة شبراً يتلوه شبر، يضع الروس في موقع الدفاع والاستنزاف العسكري
والاقتصادي. ولا يُتوقع أن يكون هجوماً شاملاً في ظل الاحتياج الأوكراني لبعض
القدرات التسليحية التي تسعي للحصول عليها من الغرب والدول الحليفة له. زيارات
زيلنيسكي المتعددة إلى أوروبا وخارجها تأتي في إطار هذه المساعي لحشد الدعم لجيش
بلاده.
إن هذه اللحظات في ميزان التاريخ هي لحظات ميلاد حقيقي لأمة
حرة تكافح بقوة الدم والنار للحفاظ على استقلالها وإرادتها، شعباً كان بالأمس يتطلع
إلى الانضمام لأوروبا، وأعتقد أن أوروبا اليوم هي من عليها أن تتحري الانضمام إلى
أوكرانيا، فقد اكتسب الأوروبيون جيشاً قوياً وشعباَ حراً.



تعليقات
إرسال تعليق