متابعات الأزمة السودانية- الشهر الثاني.
-
تجاوزت الحرب التي يصفها الجميع بالعبثية، شهرها الثاني،
وبينما تتواصل أعمال القتال على جبهات الخرطوم ودارفور وكردفان، فإن حرب المباحثات
الثنائية في مدينة جدة السعودية لازالت قائمة، حيث حققت نجاحاً طفيفاً بدفع طرفي
الصراع للتوقيع على اتفاق انساني في 11 مايو الجاري، نص على السماح بإيصال
المساعدات الإنسانية، والانسحاب من المناطق السكنية والامتناع عن أي هجمات تُلحق
الضرر بالمدنيين، والسماح بمغادرتهم مناطق القتال، وتوفير الحماية لأفراد الطواقم
الطبية.
-
كما هو معتاد لم يلتزم طرفا الصراع باتفاق الهدنة
الإنسانية، فتصاعدت أعمال القتل، وبلغ عدد النازحين داخل السودان وخارجة مليوناًومائة ألف سوداني، وتجاوز عدد القتلى حاجز الألف، وأصبح الوضع في الإنساني في
الخرطوم مُنذراً بكارثة حقيقية، خاصة وأن أعمال السلب والنهب والعنف الجنسي وطرد
المواطنين من منازلهم قد تصاعدت بصورة مخيفة ما دفع لجان المقاومة لتفعيل دورها في
حماية المدنيين في ظل غياب قوات الشرطة عن ممارسة دورها الأساسي، كما بدأ بعض
المواطنين في حمل السلاح للدفاع عن منازلهم وممتلكاتهم، الأمر الذي يعني في الأخير
أن شبح الحرب الأهلية وحالة اللادولة تلوحان في الأفق.
-
لم تقتصر عمليات السلب والنهب على المنازل بل امتدت إلى
السفارات الأجنبية ومقرات منظمات الأمم المتحدة العاملة في السودان، وقد تعرضت
السفارة القطرية لهجوم من قوات الدعم السريع، أدانته الخارجية القطرية دون الإشارة
المباشرة إلى الدعم السريع، أو وصفه بالميليشيا، مكتفية بتعبير "قوات مسلحة
غير نظامية".
-
تتصل التخوفات من حالة الفوضى والحرب الأهلية، بالتحركات
التي تتخذها القبائل السودانية في الشرق لدعم القوات المسلحة بالطعام والمال
والسلاح، حيث بلغت تبرعات نظارة قبيلة الشُكرية بشرق السودان نحو 40 مليار جنيه
سوداني (أكثر من 23 مليون دولار أمريكي) فضلاً عن مئات رؤوس الماشية. وقد دعت هذه
التحركات المبعوث الأممي" فولكر بيرتس" إلى التحذير من أن يأخذ الصراع الحالي في السودان بُعداً قبلياً أو عرقياً في ضوء إعلان عدد من القبائل شرقاً
وغرباً عن دعمها للدعم السريع والقوات المسلحة كلاً على حدة.
-
في غضون ذلك، اتخذ القائد العام للجيش السوداني، مجموعة
من القرارات الهامة التي تستهدف إحكام قبضته على شؤون الدولة الأمنية والاقتصادية،
فقرر في 14 مايو إعفاء محافظ البنك المركزي "حسين يحيي جنقول" من منصبه،
وتعيين نائبه "برعي صديق" بدلاً عنه، كما أصدر قراراً بتجميد الحسابات
المصرفية للدعم السريع، ووجه وزارة المالية بمنع صرف أي مستحقات لها، ومن غير
المتوقع أن تؤثر هذه التوجيهات على تماسك الدعم السريع خاصة وأنها تمتلك مصادر
ثروة كبيرة على رأسها الذهب. ثم في 15 مايو قرر "البرهان" إعفاء مديرعام قوات الشرطة "عنان حامد محمد عمر" من منصبه، وتعيين "خالد
حسان" محله، وذلك على خلفية تصاعد عمليات النهب والسلب كما سلفت الإشارة.
-
كما أجرى "البرهان" تغييرات داخل قيادة الجيش وفي مجلس السيادة، فأعلن في 19 مايو عن إقالة "حميدتي" من منصبه كنائب لرئيس
مجلس السيادة، ووضع محله رئيس الحركة الشعبية/ شمال "مالك عقار"، كما
قام بتصعيد الفريق أول شمس الدين كباشي إلى منصب نائب القائد العام، وتعيين كلاً
من الفريق أول ياسر العطا والفريق بحري إبراهيم جابر كمساعدين للقائد العام. وقد
استهدف البرهان من هذه القرارات، زيادة الضغط على الدعم السريع في ظل استمرار
المباحثات في جدة، والأهم تثبيت وضعها وصورتها كميليشيا متمردة، خلافاً لوضعها
الثابت قانوناً منذ عام 2013، ومن هذا المنطلق احتجت الخارجية السودانية على قيام جنوب السودان باستضافة مستشار قائد قوات الدعم السريع. فيما يشير قرار "البرهان"
استبدال مالك عقار بحميدتي إلى محاولته استمالة الحركات المُسلحة المُوقعة على
اتفاق سلام جوبا كضمان لالتزام الجيش باتفاقه معها من جهة، وحاجته إلى دعم الحركات
المُسلحة في مواجهة الدعم السريع –إذا لزم الأمر-من جهة أخرى.
-
اجتماع القمة للجامعة العربية لم يتبني مقاربة عميقة
للتعامل مع الوضع في السودان، وهي مسألة متوقعة في ظل تعدد الملفات الشائكة على
أجندة القمة، فاكتفي البيان الختامي للقمة الـ 32، بالتأكيد على أهمية الحفاظ على
المؤسسات الوطنية في السودان، وكان منطقياً ألا يصف البيان الدعم السريع بالمليشيا
المتمردة مثلما فعل مندوب السودان في الجامعة، وإنما نوه لأهمية الحوار الجاري بين
الأطراف/ الفرقاء في جدة وإمكانية البناء عليه لحل الأزمة.
-
أخيراً، نجحت الوساطة الأمريكية-السعودية في دفع طرفي
الصراع إلى تمديد وقف إطلاق النار لسبعة أيام بدأت في 22 مايو الجاري، وأعلن طرفا
الصراع عن نيتهما الالتزام الكامل بالاتفاق، خاصة وأن الولايات المتحدة لوحت للمرة
الأولى على لسان وزير الخارجية "أنتوني بلينكن" في رسالة وجهها إلى
الشعب السوداني، بإمكانية فرض عقوبات على الطرف الذي يخل بوقف إطلاق النار،
وبالفعل شهد اليوم الأول من الهدنة هدوءً نسبياً تخللته اشتباكات طفيفة في منطقة
أم درمان. الالتزام النسبي يشير إلى الإدراك المشترك لطرفي الصراع بشأن جدية
الولايات المتحدة في تهديداتها، وقد أشارت صحيفة الشرق الأوسط أن أحد خيارات
الولايات المتحدة قد يكون فرض حظر جوي على الخرطوم. وهي خطوة من المبكر الجزم
بإمكانية حدوثها من عدمه.





تعليقات
إرسال تعليق