من اليأس إلى الرجاء: قراءة في خطاب النصر.



محمود عبد العزيز.

نادرة هي اللحظات التأسيسية في تاريخ الأمم، ومن ندرتها تكتسب قيمتها وعظمتها، تأثيرها الذي لا ينقطع، وإلهامها الذي يطبع بصماته على الذاكرة التاريخية للشعوب، وليست الأمة المصرية باستثناء من هذه القاعدة.

تعبر عن بعض هذه اللحظات، الخطابات السياسية لقادة الأمم وزعمائها، وربما تكون هذه الخطابات بذاتها هي التي تؤسس لها. وكما يتذكر الأمريكيون خطابات لينكولن الشهيرة إبان الحرب الأهلية، أو خطاب مارتن لوثر الشهير "لدى حلم"، ويتذكر الهنود خطابات المهاتما غاندي التي دشنت وألهمت النضال السلمي ضد المستعمر، فإن المصريين يتذكرون خطاب النصر الذي ألقاه الرئيس السادات في 16 أكتوبر 1973، لكننا بقدر ما نحفظ من عبارات تاريخية وردت في هذا الخطاب، إلا أننا قليلاً ما تدبرناه بتأن ورُوية.

ولا أبالغ إن قلت أن هذا الخطاب التاريخي، هو خطاب تأسيسي لمرحلة جديدة في تاريخ الشرق الأوسط لازلنا نعيش تحت تأثيراتها وفي بعض ظلال الرؤية التي طرحتها، ولا يضاهي هذا الخطاب في مكانته التأسيسية في تاريخ مصر والمنطقة والعالم، سوى خطاب تأميم قناة السويس الذي يعتبر علامة على تغير هيكل النظام الدولي، وإن كان خطاب الرئيس السادات أكثر غني بكلماته وبلاغته وحماسه المُلهم إلى هذه اللحظة،ومن ثم ولكل هذه الأسباب وأكثر فهو يستحق أن نقف أمامه طويلاً بالفحص والدرس والتحليل، لنعرف أين كانت رؤيتنا وأين أصبحت بعد ما يقرب من خمسين عاماً، وهى مهمة لم يضطلع بها الكثيرون خلال هذه السنوات على حد علمي.

أولا: دلالات الزمان والمكان.
ألقى الرئيس السادات خطابه التاريخي في مجلس الأمة، وهى لمحة مؤسسية حاول السادات أن يضفيها دائماً على نظام حكمه، بحيث يكون مجلس الأمة (سلطة التشريع) هو المنبر الذي يوجه منه خطابه إلى الجماهير، خلافاً لخطابات الرئيس عبد الناصر التي حرص فيها على الالتحام المباشر بالجماهير في المؤتمرات الشعبية.
أما الزمان، فهو الأكثر دلالة، 16 أكتوبر 1973، أي في منتصف المعركة تقريباً، وقد كانت الجبهة المصرية قد بدأت في مواجهة المصاعب التي ترتبت على ثغرة الدفرسوار، لكن وضع القوات كان، مثلما استمر بعد ذلك متماسكاً، وأراد السادات أن يستبق الأحداث لكي لا يترك الفرصة أمام الآلة النفسية للعدو للتشكيك في النصر العسكري الساحق الذي حققته قواتنا المسلحة، ثم محاولة الاستفادة إلى أقصي مدى بنتائج هذا الانتصار أمام المجتمع الدولي للتوصل إلى حل نهائي للأزمة، وهو ليس حلاً بقوة السلاح بطبيعة الحال.

ثانياً: بنية الخطاب.
بدأ الرئيس السادات خطابه الذي امتد لنحو الساعة، بأن حدد الموضوع الذي سيخاطب فيه الأمة، فقسمه إلى عنصرين، الأول تناول قضية الحرب، والآخر تناول قضية السلام.
1- الحرب.
بدأ الرئيس بعرض التداعيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية لنكسة 1967، واستأثر الحديث عن التداعيات النفسية الهائلة لهذه الانتكاسة جزءً كبيراً من الخطاب، فوصف النكسة بأنها مزقت ضمير الأمة، وكعادته في التأكيد على محورية فكرة الإيمان، أكد السادات أن الأمة المصرية والعربية لم تفقد إيمانها على الرغم من التمزق في ضميرها، لأن " الإيمان هو القاعدة، ومادامت القاعدة بخير، فإن كل شيء بخير"، ولا يقتصر الإيمان هنا على المعني الديني فقط، لكنه يتجاوزه ليشتمل على الإيمان بالنفس والثقة في الاستفاقة والقدرة على المواجهة من جديد.

انتقل الخطاب إلى مستوى أخر تعامل مع الأسباب العسكرية والسياسية للنكسة، فكان لزاماً أن يتعرض للقوات المسلحة المصرية، فأكد أن هذه القوات لم تكن أبداً سبباً من أسباب النكسة بل هي أحد ضحاياها، وبمعنى أخر بأن القوات كانت ضحية خطأ التقدير العسكري لقيادتها في ذلك الوقت، أي المشير عامر ومعاونيه، وألقى عليهم الرئيس باللوم كونهم تجاهلوا تحذيرات الرئيس عبد الناصر بشأن الضربة الجوية المتوقعة في 5 يونيو، وحينها أكد عامر أن القوات مستعدة لتلقي الضربة الأولى ثم رد الهجوم (برقبتي يا ريس)، ثم ارتكبت القيادة العسكرية خطأً أخر بإصدار أمر الانسحاب دون معرفة أو استشارة القيادة السياسية، والأدهى أنه جاء انسحاباً عشوائياً مُدمراً.

تصاعدت المشاعر الحماسية وسط لهيب كلمات الخطاب، الذي انتقل إلى الحديث المباشر عن المعركة: إن القوات المسلحة قامت بمعجزة بكل المقاييس، فتلتهب القاعة بالتصفيق، ولهذا الإعجاز والانجاز، فإننا نعلن ثقتنا في قواتنا المسلحة، وثقتنا في قيادتها التي خططت، وفي ضباطها وجنودها الذين نفذوا بالنار والدم، ولم يأتي هذا الإنجاز إلا نتاج تخطيط باقتدار، وتدريب شاق، واستيعاب دقيق لمختلف الأسلحة التي شاركت في المعركة.
وقد ترتب على هذا النصر الهائل نتيجتين أساسيتين، أكدهما الخطاب:
الأولى: انهيار نظرية الأمن الإسرائيلي وأسطورة الجيش الذي لا يُقهر، ومن ثم فإن للأمة أن تطمئن بعد خوف فقد أصبح لها درع وسيف.
الأخرى: تغير الخريطة السياسية للشرق الأوسط "إلى الأبد"، الذي أصبح يمتلك القدرة على المنع كما المنح. ومن هذه النتائج انتقل الخطاب إلي القسم الثاني.

2- قضية السلام.
حازت هذه القضية على نصف الوقت المخصص للخطاب تقريباً، كما تعتبر كلمة السلام أكثر الكلمات تكراراً في خطاب النصر التاريخي، ولهذه الإشارة الرقمية دلالة سياسية واستراتيجية حددت مسار الحل فيما بعد.
وهنا قد يتساءل البعض ما علاقة خطاب الانتصار في معركة حربية هائلة، بالحديث عن السلام؟

فضلاً عن أن الحرب هي استمرار للمسار السياسي بوسائل أخرى، إلا أن السادات آثر أن يفند أمام الرأي العام المصري والعربي والعالمي أسباب الحرب من الأساس، وقد استند في تفنيده إلى منطلقات الشرعية الدولية وقواعد القانون الدولي التي تدين العدوان، وهو معنى من معاني الحرب، وحيثية هذا الاستناد هي الفهم الدقيق لكيفية مخاطبة الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي.
ولأن المواثيق الدولية تهدف إلى إحلال السلام العالمي، فإن مصر لا يمكنها أن تتغاضي عن هذا الهدف الذي صادقت وصدقت عليه، ولهذا فقد حاربنا من أجل السلام!، وليس السلام غاية في ذاته، لكنه السلام العادل، سلام الحق والقوة.
إن مصر "أيها المجتمع الدولي"، لم تعتدي، بل هي ترد العدوان، ولم تنتهك القرارات الدولية بل هي تنفذها، وعلى رأسها القرار 242 القاضي بانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة قبل 5 يونيو. وكأنه يقول إن مصر مع القانون الدولي، إذا كان القانون الدولي مع الحق، والحق معنا.

أما السلام الذي نريده ليس سلام المهزومين، الذي طرحه بن جو ريون، الذي صاغ نظرية فرض السلام، كما أشار السادات، فالسلام العادل لا يُفرض، لأنه يحمل تهديداً صريحاً لا نقبله ولا يمكن لنا أن نقبله، ولقد كانت إسرائيل تستند في ذلك إلى قوتها العسكرية الهائلة، وهنا يعود السادات مجدداً لتفتيت نظرية الأمن الإسرلئيلي، فالقوة التي تستند إليها قد تحطمت تحت الأقدام والجنازير.
وفي درس سياسي يقدمه السادات في كيفية مخاطبة الأعداء، يجمع بين المرونة تارة والتهديد القادر تارة أخري، وتحسباً للتداعيات العسكرية للثغرة، والنوايا الإسرائيلية المُعلنة بتهديد العاصمة وضرب المدنيين، يُرسل رسالة أمام العالم، بأن مصر لديها من القدرات العسكرية ما ترد به عن نفسها وفي العمق، فإذا به يقول "العين بالعين والسن بالسن والعنف بالعنف". وصواريخنا من طراز ظافر قائمة على قواعدها ويمكنها أن تصل إلى أعماق الأعماق. وقد كنا منذ البداية قادرين على استخدام هذه القوة، إلا أننا ندرك مسؤوليتنا الدولية والإنسانية في حدود استخدام أنواع محددة من القوة العسكرية.. درس آخر في فن الخطاب.

ثم يعود السادات مجدداً إلى المواثيق الدولية، هذه المرة ليس لتأكيد التزام مصر بها، بل للتشهير بالعدو، فالنظام الدولي بعد الحرب العالمية تأسس على أنقاض الحرب ضد النازية ودعاوي الكراهية، وهى ذاتها الدعاوي التي نحاربها اليوم "أيها المجتمع الدولي"، بل إن الدعاوى "الصهيونية" ليست سوى " تكراراً بائساً للنازية، تثير الازدراء أكثر من الخوف، وتبعث على الاحتقار أكثر من الكراهية".
لقد كان من جراء التزامنا بميثاق الأمم، ومسار السلام العالمي، ودفاعنا عن الحق، أن شهد لنا العالم بهذا، شهد بشجاعتنا وشهد بحقوقنا، وتعاطف معنا، وهو اليوم يشهد بقوتنا وقدرتنا التي أكسبتنا الاحترام. هكذا أكد السادات، وأردف في عبارة بليغة تعكس شرف مصر وعزة المصريين، بأننا "نفضل احترام العالم ولو بغير تعاطف على تعاطف العالم إذا كان بغير احترام"... هذا درس القوة ودرس الإباء ودرس العزة والانتصار.
ولأن تعاطف العالم أو احترامه لن يدفع باتجاه الحل الشامل للأزمة، دون توافق القوى الكبرى التي تتحكم في النظام الدولي، أشار السادات في لمحة خاطفة إلى التوافق الذي كان يتشكل في الأفق بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، حيث تبادل زعماء البلدين الزيارة خلال أعوام 72 و73، وتم توقيع اتفاقية الحد من الأسلحة الاستراتيجية في عام 1972. وبعيداً عن القراءة المُعلنة بشأن هذا التوافق، أو ما أسماه السادات الوفاق، أي السلام، فقد آثر الرئيس أن يوجه الجزء الأخير من الخطاب إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك لأسباب نذكرها:
- أن السادات استثني الولايات المتحدة من المجتمع الدولي المتعاطف مع القضية المصرية والعربية، فهي حليف رئيسي لإسرائيل، ولم يفته أن يشير إلى الدعم الهائل والمفتوح الذي تقدمه الولايات المتحدة إلى إسرائيل، وقد شن عليهم هجوماً علنياً لهذا السبب.

- أدرك السادات أن مسار الحرب لم يعد في يد إسرائيل بل في يد الولايات المتحدة التي تحاربنا الآن، ويسألها السادات، لماذا تفعلون ذلك ونحن الأصل في المنطقة وليس إسرائيل، لماذا تفعلون ذلك ومصالحكم في المنطقة مع العرب وبينهم وليست مع إسرائيل.

- أن السادات رغم هذا الهجوم الضاري على الولايات المتحدة، كان على تواصل بالفعل مع وزير الخارجية كسينجر، ومن الأيام الأولى للحرب، وهذا درس أخر من دروس لعبة التفاوض والسياسة، يُحسب للرئيس السادات ولا يُحسب عليه.

- ترجم الرئيس قناعته الشخصية بأن الاتحاد السوفيتي قوة منتهية، بتوجهه إلى الولايات المتحدة كقوة عظمي أولى وربما وحيدة، وقد ترجم ذلك فيما بعد في مقولته الشهيرة بأن 99% من أوراق اللعبة في يد الولايات المتحدة.
بعد هذه المقدمة الطويلة التي ذكرها السادات (الفرشة بالبلدي)، وجه خطاباً إلى الرئيس الأمريكي نيكسون يعرض فيه رؤية مصر للسلام، وهو الهدف الاستراتيجي من المعركة العسكرية، أكد استعداد مصر للقبول بالسلام بعد الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي العربية، ثم القبول بعقد مؤتمر سلام في الأمم المتحدة، وسيتولى السادات اقناع الأمة العربية وزعمائها بأهمية التوافق على السلام في ضوء التوصل لحل للقضية الفلسطينية، وأخيراً مغازلة العالم الذي يفهم لغة المال بمثل ما يفهم لغة القوة، بإمكانية إعادة فتح قناة السويس أمام الملاحة العالمية بعد تطهيرها، وهو الهدف الذي تحقق في 5 يونيو 1975.
يبقي أن نقول أن هذه المطالب ربما كانت أكبر من سقف التوقعات، وسقف الإمكانيات، ومسار المعركة التي لم تزل مستعرة، وربما لم تعبر عن القناعة الكاملة للرئيس السادات، أكثر منها ضرورة تفرضها تكتيكات التفاوض برفع سقف المطالب لأقصى مدى ممكن.
لكن الأهم، أن هذا الخطاب بمثل ما ساهم في إبراز روح النصر والعزة، فقد ساهم في وضع الركائز والتصورات الأساسية لمسار منطقة الشرق الأوسط خلال السنوات التالية وإلى يومنا هذا، لتصدق معه ومنه الرؤية السياسية والاستراتيجية للرئيس السادات، ولتضع أمام أعيننا درساً لخصته مسيرة ست سنوات من الشقاء والعمل والكفاح، حتى عبرت مصر جسر اليأس والهزيمة إلى ضفاف النصر والرجاء. وكما يقول الدكتور جمال حمدان، "يندر أن يتعلم المنتصر الكثير من انتصاره، أما المهزوم فهو أكبر المتعلمين من الهزيمة"، وقد تعلمنا وانتصرنا.

تعليقات

المشاركات الشائعة